الشعوب العربية بين رفض التطبيع ودعم المقاومة

26 تشرين الثاني 2021 - 12:25 - الجمعة 26 تشرين الثاني 2021, 12:25:57

بقلم: راغدة عسيران

يخوض الشعب الفلسطيني معركة الدفاع عن النفس وعن الأرض والمقدسات، في عدة مناطق من فلسطين وفي السجون، ويناشد الشعوب العربية والإسلامية، وحتى شعوب العالم، عبر فصائله المقاومة وتنظيماته المدنية، لمساندته والالتفاف حول قضيته المحقة والعادلة. ولكن، بعد أكثر من أربعة شهور على بداية  خوض معركة الأمعاء الخاوية لانهاء الاعتقال الإداري، قلة من المواطنين العرب تجاوبوا مع هذه النداءات، وأصدروا بعض البيانات المندّدة بالكيان الصهيوني وممارساته الوحشية. رغم استمرار القتل والقمع والاعتقالات وتدمير المنازل وغزوات المستوطنين، تبدو الجماهير العربية غائبة عن المشهد الفلسطيني، باستثناء أقلية مراقبة تتفاعل مع الحدث وتواكبه. أين تقف الشعوب العربية من القضية الفلسطينية؟ وهل تفاعلها مهم وضروري كي تستمر شعلة المقاومة ضد الكيان الصهيوني وأعوانه الدوليين ؟

تتميز القضية الفلسطينية عن سائر قضايا الإستعمار الإستيطاني في العالم (الأوروبيون ضد الأمم الهندية وشعوب القارة الإفريقية وأستراليا) بثلاثة خصائص على الأقل:

أولا، فلسطين جزء من أمة واسعة تضم شعوب كثيرة، عاشت قرونا من التاريخ المشترك وأسست حضارة غنية ومتنوعة، خلافا لبعض الشعوب الأصلانية التي تم الاستيلاء على أراضيها.

ثانيا، تاريخيا، واجهت الأمة العديد من الغزوات عبر التاريخ، لا سيما الغزوات الغربية، ويعدّ الغزو الصهيوني لفلسطين مواصلة لحروب أخرى، في حين لم تواجه الشعوب الأصلانية الأخرى عبر تاريخها إلا غزوات محلية سبقت الرأسمالية والإمبريالية، قبل الغزوات الأخيرة التي أبادتها أو قطّعت أوصالها.

ثالثا، تتمتع فلسطين بمكانة دينية وروحية خاصة في قلب الوطن العربي والإسلامي، ما جعلها مركزا حضاريا يجمع الأمة وشعوبها من جهة، ومسرحا لغزوات وصراعات دولية على مر التاريخ، من جهة أخرى.

تؤسس هذه الخصائص لمركزية القضية الفلسطينية في الأمة ولدى شعوبها، حيث لا يمكن الفصل بين الشعب الفلسطيني ومصيره عن شعوب الأمة ومصيرها. فتزامن الغزو اليهودي الصهيوني لفلسطين مع تجزئة المنطقة الى دويلات تحكمها نخبة مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بمصالح الغرب الامبريالي، كان يعني الاستفراد بفلسطين وشعبها ومنع الدعم عنه خلال ثوراته ومقاومته.

لم تتجاوب كليا الشعوب مع إملاءات حكامها والقوى الأجنبية المسيطرة. فشكلت مسيرة الشيخ المجاهد عز الدين القسام، الذي أعلن الثورة في فلسطين ضد البريطانيين والصهاينة، قدوة للثوار، تلاها مشاركة مقاتلين وفدائيين عرب ومسلمين للدفاع عن فلسطين، ثم تدفق الشباب العربي للمشاركة في التنظيمات الفدائية بعد معركة الكرامة (1968)، تأكيدا على مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الأمة.

لا شك أن الشعوب العربية ترفض التطبيع مع كيان العدو ومستوطنيه ومؤسساته المختلفة، وتتمنى زواله، كما عبّرت عنه خلال معركة "سيف القدس"، لأن الطبيعة الانسانية تكره الظلم، أساسا، ومن يدعم الكيان في عدوانه على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لا يمكن إلا أن يكون مستفيدا من العدوان وله مصلحة ما بوجود كيان إستيطاني يمثل الإستكبار العالمي، أو جاهلا بالقضية ولا يتابع الأحداث، أو فاقدا لإنسانيته.

رغم بعض الاستثنائات المطبّعة التي يبرزها الإعلام الصهيوني والعربي الموالي له، والتي تدعمها الدوائر الغربية المختلفة، أثبتت الشعوب العربية مناهضتها للتطبيع مع كيان العدو، ورفضها لشرعية وجوده في المنطقة. لكن تبقى ردود فعل الشعوب المستهدفة بالتطبيع متفاوتة، بين السكون التام لإجراءات الحكام المطبّعين القمعية (الإمارات)، والمظاهرات والتجمعات الشعبية المندّدة بالاتفاقيات مع العدو (الأردن) او بزيارات يقوم بها مجرمون صهاينة الى الدول العربية (المغرب والبحرين). قد تكون ردود الفعل الشعبية موسمية أو لحظية، او مستمرة، حسب الجهات المنظمة للفعاليات وقدرتها على مواصلة الاستنفار والتحشيد ضد إقامة علاقات مع كيان العدو، وكيفية تعاطيها مع المسألة.

لقد أثبتت عمليات التطبيع التي أقدمت عليها أنظمة عربية، الأخيرة والسابقة، أن قرار الاعتراف بكيان العدو وإبرام اتفاقيات معه اتُخذ بمعزل عن الشعوب العربية، أو بالأحرى ضد مصالحها، وأنه قرار سلطوي ومناهض لكافة أشكال الديمقراطية. ولكن في هذا الخصوص، لا تعارضه الدول الامبريالية الغربية لأنه يتجاوب مع تطلعاتها ومخططاتها الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني. فكان على الشعوب وتنظيماتها السياسية والأهلية غير المنضوية تحت النفوذ الغربي، أن تواجه هذه القرارات السلطوية بالإعتماد على نفسها وقدراتها الذاتية لإسقاط عملية التطبيع والتخلص من أي علاقة مع المستوطنين الصهاينة، لأن أي اتفاق مع العدو هو بمثابة "تشجيع وشراكة مع الاحتلال في عدوانه المتواصل على شعبنا وأرضنا واستهدافه للمسجد الأقصى المبارك" كما جاء في بيان حركة الجهاد الإسلامي حول زيارة الإرهابي بيني غانتس، الى المغرب، وكون العلاقة مع الكيان الصهيوني تهدّد المجتمعات في أمنها ووحدتها وثقافتها.

لكن مناهضة التطبيع مع كيان العدو لا تعني تلقائيا مساندة ودعم الشعب الفلسطيني ومقاومته ضد العدو، بل تمثل الأرضية الثابتة والحد الأدنى لذلك، وقد تتراجع بسبب الضغط الدولي المالي والسياسي، إن لم يتطوّر الخطاب المناهض للتطبيع الى خطاب مناهض للهيمنة الغربية الشاملة على شعوب الأمة، حيث أن هذه الهيمنة هي المسؤولة الأولى عن التطبيع والقرارات السلطوية والفتن داخل المجتمعات العربية وقمع تطلعاتها الإستقلالية ومنع نهضتها، الى جانب الاستيلاء على فلسطين.

لقد أكّدت الشعوب العربية مؤخرا على موقفها الداعم للشعب الفلسطيني ومقاومته أثناء معركة سيف القدس وعملية "نفق الحرية"، أي عندما سطّرت المقاومة انتصارات واضحة ضد العدو، ومرّغت أنفه في الوحل. لكن، لم تتجاوب هذه الشعوب بشكل واسع مع نداءات الاستغاثة التي يطلقها الشعب الفلسطيني للدفاع عن المسجد الأقصى والقدس، والأرض والأسرى، رغم أهمية الالتفاف العربي الشعبي حول معركة الحرية التي يخوضها يوميا الشعب الفلسطيني، وتشكيل رأي عام مساند له وضغط مؤثر على الأنظمة، كي تتخذ خطوات عملية توقف هجمات العدو.

ما هي الأسباب التي تقف حاجزا أمام مساندة نضالات الشعب الفلسطيني اليومية ؟ هل هي انشغالاته اليومية والمعيشية ؟ أم أن هناك أسباب أخرى ؟

لا شك أن الانشغالات اليومية والمعيشية والفتن والحروب المتنقلة تقف أمام متابعة الوضع الفلسطيني والتفاعل معه يوميا، باستثناء أقلية في الوطن العربي المتابعة سياسيا وإعلاميا لكل ما يحصل، والتي تصدر البيانات وتكتب المقالات وتغرّد على التواصل الاجتماعي، وتنظم الندوات.

لكن هناك أسباب أخرى، أولها عدم وجود برنامج شامل وجامع لمقاومة الاحتلال، وغياب التنسيق بين الفاعلين في الأماكن المختلفة في الضفة الغربية والقدس والأرض المحتلة عام 1948، على الأقل، وغياب التنسيق بين الملفات العديدة، الأسرى والقدس والداخل المحتل عام 1948 وقطاع غزة، حيث المعارك متنوعة لكنها واحدة، دون إغفال مسألة الأونروا واللاجئين التي صعدت مجددا في الآونة الأخيرة.

ثم عدم ربط بين وضع الشعوب العربية التي تعاني من النهب والتبعية المطلقة أو النسبية للدول والشركات الأجنبية، ومن الحروب والفتن والانقسامات السياسية والاجتماعية، من جهة، ووضع الشعب الفلسطيني من جهة أخرى الذي يواجه أشرس هجمة استيطانية إحلالية مدعومة من المجتمع الدولي، رغم وضوح العلاقة بين الأعداء، الكيان الصهيوني والدول الغربية المساندة له والضامنة لوجوده واستمرار إرهابه، وملحقاته العربية، دولا ومنظمات وأفرادا.

فتوضيح الصورة أمام الأجيال العربية الصاعدة، التي مُنعت من معرفة تاريخ بلادها وأمتها الحقيقي بعد التلاعب بالمناهج التعليمية وفقا لإملاءات المجتمع الدولي، والكشف عن حقيقة الدول الغربية التي تتغنى بالشعارات البراقة، كحقوق الإنسان والديمقراطية، لجذب الشباب اليها، وتوضيح العلاقة بين مصير هذه الأجيال ومستقبلها ومصير ومستقبل الشعب الفلسطيني، قد يدعم نهوضها ونضالها من أجل استقلال قرارها، ضمن نظرة وحدوية تستعيد فلسطين مكانتها المركزية، ليس فقط خلال انتصارات المقاومة، بل بشكل متواصل، وذلك الى جانب عملية تثقيف واسعة لمحاربة الرواية الكاذبة الصهيونية، المدعومة دوليا وعربيا.

 

انشر عبر
المزيد