النقب المحتل: امتداد طبيعي وتاريخي لقطاع غزة

10 كانون الثاني 2022 - 12:38 - الإثنين 10 كانون الثاني 2022, 12:38:46

أهالي النقب.. لن نرحل عن أرضنا
أهالي النقب.. لن نرحل عن أرضنا

بقلم: راغدة عسيران

منذ أسابيع، تشهد منطقة النقب المحتلة (بالداخل الفلسطيني) تجدد الصراع بين الكيان الاستيطاني الصهيوني وأهلها العرب الفلسطينيين. تسعى مؤسسة المستوطنين للاستيلاء على الأراضي المتبقية لدى السكان الأصليين، التي تعادل وفقا لدراسات حديثة، 3% من مساحة النقب، إلا أن المسألة غير متعلقة بالأرقام، بل بمبدأ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، حيث لا تعترف الحركة الصهيونية بشرعية الوجود العربي الفلسطيني على أرضه وفي وطنه.

فعليا، لم تتوقف حرب المستوطنين على أهل النقب، منذ زرع الكيان الصهيوني بعد النكبة عام 1948، ولم تترك منطقة وقرية إلا وكانت ضحية لتهجير أهلها وسرقة أراضيها وتدمير منازلها وحرق مزروعاتها، وتحريش وتشجير أراضيها لمنعها من التوسع الطبيعي. لكن الحرب الحالية متزامنة مع تشكيل حكومة صهيونية سمتها الأساسية تكثيف الاستيطان وإطلاق قطعان المستوطنين ضد الفلسطينيين كقوة طليعية إرهابية، في ظل موجة الجريمة المنظمة ضد فلسطينيي الـ 48 بدعم من المؤسسة الأمنية الصهيونية، وتراجع الأحزاب العربية التي كانت تشكّل نوعا من الحماية لأهل النقب، قبل توجهها الكليّ الى "النضال البرلماني" داخل المؤسسة الصهيونية (الكنيست).

اليوم، يواجه أهل النقب حرب إبادة تتمثل بخطط تهجير واسعة تطال أكثر من 30 ألف فلسطيني، بحجة "تطوير النقب" بقاموس الصهاينة، أي "تهويد النقب"، ما يعني زرع المستوطنات اليهودية وتدمير القرى الفلسطينية، انطلاقا بما يسمى "القرى مسلوبة الاعتراف"، التي لا وجود لها على خرائط العدو وتفتقر الى كلّ مقومات الحياة، من ماء وكهرباء وطرق وبنى تحتية ومدارس ومستوصفات.

تقوم الخطة التدميرية والتهجيرية، على مدّ الخط الكهربائي – الضغط العالي، وبناء سكة قطار من مستوطنة ديمونة الى مستوطنة يروحيم، وسكة قطار عراد، وتخصيص منطقة للتدريبات العسكرية ومنطقة للصناعات العسكرية الكيماوية، وتشغيل مناجم الفوسفات واستكمال شارع "عابر إسرائيل"، كل ذلك على أراضي القرى الفلسطينية، وكأنها غير موجودة وخالية.

في العقلية الصهيونية، أهل النقب وفلسطين عموما طارئون لأنهم غير يهود. فيتم التعامل معهم وفقا للخطط المرحلية التي تضعها المؤسسة الصهيونية. فالاعتراف، إن حصل، يكون مرحلي ولا يلزم الصهاينة بأي شيء.

لم تعد تراعي المؤسسة الصهيونية مسألة "مواطنة" فلسطينيي 48، ومنهم أهل النقب، بعد معركة "سيف القدس"، وبعد جولة رئيس حكومة العدو نفتالي بينت الى "الجنوب"، في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، ليعلن الحرب عليهم بالقول أن التعامل مع أهل النقب سيتحول من "الدفاع الى الهجوم".

 لقد عقّب الشيخ أسامة العقبي على الهجمة الأخيرة بالقول إن "نفتالي بينت ترجم التصريحات في الميدان"، حيث أنه، بحجة مكافحة الجريمة في تلك المنطقة، أمر بإنزال قوات عسكرية بالطائرات على أراضي عشيرة أبو سبيلة، وإدخال مستعربين الى قرية قصر السر لترهيب واعتقال الفلسطينيين، واقتحام قرية ترابين الصانع. وعلى مدار ثلاثة أيام، اقتحمت القوات الصهيونية أراضي عشيرة الأطرش بمنطقة النقع، التي تضم 8 قرى، إضافة الى قرية وادي المشاش، وكلها مستهدفة بالتهويد، على شكل التشجير، قبل الاستيلاء عليها وتسليمها للمستوطنات.

لقد ساهم وجود "القائمة الموحدة" بقيادة منصور عباس في الائتلاف الحكومي الصهيوني، برفع مستوى التهديد على أهل النقب، رغم تصريحاته وغيره من "الموحدة"، القائلة بأنهم يعملون من أجل الاعتراف بقراهم. لكن يطرح شكل هذا الاعتراف تساؤلات كثيرة، حيث أنه سيتم الاعتراف ببعض القرى، كقرية "خشم زنة" مقابل تدمير القرى القريبة منها، كقرية صووين، وتهجير أهلها الى القرية التي سيتم الاعتراف بها، أي أن 70% من القرى سيتم تدميرها وتهجير أهلها بموافقة "الموحدة" التي تتباهى أنها تدعم أهل النقب. ولكن حتى هذا الاعتراف غير مضمون وليس أبديا، ولا يعني تحسين حياة أهلها، كما هو الوضع في قرية أبو تلول التي تم الاعتراف بها في العام 2006، دون أن يغيّر شيئا من حياتها وبقي الوضع كما كان عليه. ثم الاعتراف ب11 قرية سابقا، ومنها بير هداج المستهدفة اليوم بإقامة أربعة مستوطنات على أراضيها، يدلّ على أن الاعتراف لفظي ومرحلي وغير ملزم لدى المؤسسة الصهيونية.

ما يؤشر بذلك، هو المهلة المعطاة للسكان لكي ينزحوا من قراهم الأصلية الى التجمع السكاني المعترف به، وهي سبع سنوات، في حين أن المهلة الممنوحة للحكومة الصهيونية لتنفيذ قرار الاعتراف هي 24 سنة، ما يعني التهجير الفعلي مقابل الوعود. يضيف أحد محامي الداخل أن هذا الاعتراف مشروط أيضا بموافقة أكثر من 70% من سكان القرى للانتقال للسكن في التجمع السكني المستقبلي قبل الشروع باجراءات الاعتراف.

كما يطرح قانون الكهرباء الأخير الذي تصوّره "الموحدة" بأنه مكسب "للعرب"، تساؤلات كثيرة، ليس فقط بسبب الشروط التعجيزية للاستفادة منه، بل كخطة مكمِّلة للتمييز بين القرى وبين الفلسطينيين أنفسهم، بين من يستحق الكهرباء والاعتراف ومن غير جدير بذلك، وبالتالي، سد الطريق أمام من لا يستحق "الهبة" الصهيونية، وتهميشه وجعله غير شرعي، بموافقة "حزب عربي".

لكن، بالأساس، وبغض النظر عن الظروف السياسية التي يعاني منها فلسطينو 48، تطرح مسألة مطالبة المؤسسة الصهيونية بالاعتراف بالقرى الفلسطينية، إشكالية معنى هذه المطالبة في سياق حركة التحرر الوطني من جهة وفي سياق التعريف عن المشروع الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني احلالي وتوسعي من جهة أخرى.

في كتابه "بشرات حمراء، أقنعة بيضاء"، يلتفت الكاتب الهندي غلين كُلتهارد (من الشعوب الهندية في كندا) الى مسألة طلب الاعتراف بحقوق "الأقلية الأصلانية" داخل المستوطنة الكندية، التي انتهجتها بعض النخب الهندية في ظل صعود النيوليبرالية ومقولات حقوق الأقليات والاعتراف المتبادل والمصالحة. رغم اختلاف الوضع الفلسطيني عن وضع الشعوب الهندية في القارة الأميركية، لكن الجوهر، أي الاستعمار الاستيطاني والاحلالي، هو ذاته. يتساءل الكاتب عن معنى المطالبة بالاعتراف داخل الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية، ولصالح من، الشعوب المستعمَرة أم القوة الاستعمارية؟ وهل يجب أن يكون الاعتراف متبادل؟ وماذا يعني النضال من أجل الاعتراف كخطوة باتجاه المصالحة ؟

في السياق الفلسطيني والعربي، مطالبة المستعمِر والمستوطن بالاعتراف بالشعب المستعمَر أو بقراه يعني الإقرار بأنه هو السيد الذي يقرّر ويشرعن، في حين أن الكيان الصهيوني ما زال يبحث عن شرعية وجوده على أرض فلسطين، ويبذل جهوده للاعتراف به، عربيا وإسلاميا وفلسطينيا. ثم أن الاعتراف بالقرى الفلسطينية الموجودة في النقب من قبل المؤسسة الصهيونية يعني تلقائيا الاعتراف من قبل الفلسطينيين (في الداخل المحتل 48 أو في النقب حصريا) بالمستوطنات اليهودية التي أقامتها هذه المؤسسة الاستعمارية والتواصل معها، في الوقت الذي ما زال فيه الصهاينة يطمحون الى تكثيف الاستيطان اليهودي على حساب أراضي هذه القرى، وإن تم الاعتراف بها مرحليا. بالنسبة للكاتب كلتهارد، تقع مسألة الاعتراف ضمن العلاقة الاستعمارية ولا تؤسس للخروج منها، كما وضّح ذلك قبله المفكّر المرتينيكي "فانون". فهو يفضّل النضال من أجل استعادة الأرض، أو أجزاء منها في السياق الكندي، وبسط سيادة الشعوب الهندية عليها، أي التخلص من سيطرة المستعمِر. ولكن هذه قصة أخرى.

ما يمكن الاستفادة من هذا الطرح، هو التخلّص من وهم مسألة الاعتراف بالقرى، في السياق الاستعماري الاستيطاني الاحلالي، والتشبث بالأرض ومواجهة التهجير، كما يفعل أهل قرية العراقيب، خارج إطار المؤسسة الاستعمارية السياسية والقضائية والفكرية، بقدر الامكان، وطرح هدف التحرير، والتخلّص من وهم التوجه للمحاكم الصهيونية، على أشكالها، للمطالبة بالحقوق الفلسطينية، كونها جزء لا يتجزأ من المنظومة الاستعمارية. 

وفي الوقت الذي يناقش الكنيست الصهيوني مسألة الاعتراف ببعض القرى، تواصل المؤسسة الصهيونية الاعتداء على أهل النقب وتزرع مستوطناتها في كل فلسطين، ومن ضمنها منطقة النقب. صرحت وزيرة داخلية كيان العدو، إيليت شاكيد، أن إقامة المستوطنات في النقب يحقّق حلم بن غوريون. لكن، يبدو أن حلم وتطلعات القائد زياد النخالة، الذي يعبّر عن حلم وتطلعات شعوب الأمة والشعب الفلسطيني في طليعتها، سيطيح بحلم بن غوريون، لأنه يعني إزالة كل مستوطناتهم، كما أزيلت عن قطاع غزة، وتحرير فلسطين.

 

 

انشر عبر
المزيد