"نحفر لنرسخ في ذاكرة العالم صورة جديدة لفلسطين"

11 أيلول 2022 - 08:05 - الأحد 11 أيلول 2022, 08:05:20

بقلم: راغدة عسيران

في الرسالة التي وجهها الأسير البطل محمد عارضة، أحد مجاهدي "نفق الحرية"، في الذكرى الأولى لعملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع، ذكر الأسباب التي دفعتهم الى الهروب من "الخزنة الحديدية" التي بناها العدو لقهر الفلسطينيين وقتل انسانيتهم، وبعض معاني العملية. إضافة الى استلهامهم تجربة المجاهدين في غزة، الذين يحفرون الأنفاق لتجهيز المقاومة وتمكينها من الدفاع عن الأرض الفلسطينية، ذكر المجاهد محمد عارضة أن "كنا نحفر وفي مخزوننا الذهني والعقلي كل بطولات شعبنا وأمجاد أمتنا. كنا نحفر وعيوننا تنظر إلى الأقصى الجريح وهو يستباح، كنا نحفر وتسيل أيدينا وأجسامنا دمًا، ونحن نرى شعب غزة وقد ملأت دماءهم الساحات... ونحن نرى أهلنا في العام 1948م يعانون العنصرية والجريمة التي تستهدف أهلنا هناك، ونحن نعيش على عذابات أسرانا وآمالهم بالحرية ومعاناة أسيراتنا الماجدات تحت ظلم السجان.."

عملية الهروب الكبرى التي نفذها المجاهدون، الذين خرجوا وذاقوا طعم الحرية تحت سماء فلسطين لبضعة أيام (محمود عارضة، محمد عارضة، يعقوب قادري، أيهم كممجي، زكريا الزبيدي، ومناضل انفيعات) والذين ساهموا وشاركوا في صنع هذا الحدث المعجزة (إياد جرادات، محمود أبو اشرين، علي ومحمد أبو بكر، قصي مرعي)، وجميعهم من منطقة جنين في الضفة الغربية المحتلة، وجميعهم معتقلين في "الخزنة" الأشد تحصنا، حملت إذاً عدة أهداف ومعانٍ، أكّد عليها هؤلاء الأبطال خلال هذا العام، في جلسات المحكمة أو عبر المحامين والأهالي، رغم قلة الزيارات التي سمح بها العدو، وفي رسائلهم التي كانت تصل المؤسسات المعنية بالأسرى.

من أهم هذه الأهداف والمعاني، نيل الحرية، وهذا ما يسعى اليه كل أسير في العالم، وخاصة الاسرى الفلسطينيون في سجون العدو، كامتداد للصراع مع المحتل. فكتب الأسير البطل أيهم كممجي: "فالحرّ يأبى أن يكون مقيّدا، والصقر يأنف ذلّة الخرفان".

لقد ركز الأبطال الأسرى على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أراضيه ووطنه وضرورة توحيد الصفوف لمواجهة العدو. رفض الأسير القائد محمود عارضة، في أول ظهور له في المحكمة الصهيونية، مباشرة بعد إعادة اعتقالهم، الأقاويل والأكاذيب التي بثها الإعلام الصهيوني حول فلسطينيي 48، وقام بتكذيب رواية المحتل وشكر أهل الناصرة لمساندتهم له ولأخوانه خلال رحلتهم القصيرة. ثم توالت تصريحات الأبطال وكتاباتهم للتأكيد على وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني.

لقد توجّت رسالة الأسير القائد محمود عارضة الأخيرة هذا المفهوم الوحدوي بالمطالبة بتوحيد الصفوف لمواجهة "الشجرة الخبيثة" التي لا تنمو "إلا في بيئة موجودة بالانقسامات. فالانقسام الأول عام 1937م هو ما أقامها". يمكن اجتثاث هذه الشجرة بسهولة، كما يقول، لولا الانقسامات التي تسببت بالنكبة في العام 1948. واليوم، الانقسامات الحالية الفلسطينية والعربية قد تؤدي الى "نكبة جديدة عنوانها المسجد الأقصى وهذا ليس ببعيد". وهذه الانقسامات ليست سياسية فقط، بين حركتي فتح وحماس، بل انقسامات حول وجود الكيان الصهيوني، هل هو صديق أم عدو،  وحول الجغرافيا الفلسطينية، التي ركّزت الرسالة على توحيدها، مجددا، بالحديث عن اللجوء ومخيماته، عن الضفة الغربية والقدس وغزة، وعن فلسطينيي 48 الذين يعيشون أخطر مرحلة في حياتهم، بسبب الجريمة التي يراد منها تهجيرهم واقتلاعهم من وطنهم : "رسالتنا إلى أهلنا في الداخل المحتل عام 48، أن هذا العدو يعتبركم كتلة سرطانية في جسده لذلك لا يدخر وسيلة من أجل اقتلاعكم واجتثاثكم من الأرض".

كان الشهيد فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، قد نبّه قبل عقود من أن كيان العدو "موقن أن استمرار مشروعه مرهون بمزيد من التجزئة والتفتيت وتحطيم مكوّنات الأمة وأن تعود المنطقة إلى ما قبل ظهور الإسلام" لأنه يعيش وينمو على انقساماتنا وتفتيت ساحاتنا، وليس لأن لديه مقوّمات حياة خاصة به. "فهذا الوحش وهم من غبار" وتوحيد الساحات والجهود كفيلة باجتثاثه.

في رسالته الأخيرة، التي تستحق الوقوف أمامها ودراستها، ذكر المفكّر الأسير محمود عارضة أحد أسباب انهيارنا وتمزّقنا، رغم "إننا أصحاب حق ونحن تراب هذه الأرض ونملك من الطاقات الهائلة التي تكفل خلاصنا"، وهو "عملية التصحّر للقيم الدينية والأخلاقية من مناهجنا التعليمية في فلسطين عامة، (التي) تسلخ الفلسطيني عن قيمة الإنسانية"، وهي العملية التي تقود الى "ظاهرة التوحش في قرانا ومدننا بفلسطين التاريخية". كان قد ذكر في كتابه "الرواحل" أهمية الوعي الفردي والجمعي لهذه العملية التخريبية الشاملة التي يقوم بها أعداء الأمة لبث الفتن والفرقة وإحباط المعنويات.

يتجلى المعنى الأهم لعملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع في زعزعة أمن العدو وتوجيه ضربة معنوية له تفقده الثقة بقدراته الأمنية والاستخباراتية، وفي الوقت ذاته، تعيد بث الثقة بالنفس لدى الشعب الفلسطيني ولدى الشعوب العربية، من خلال العمل الدؤوب والإرادة الصلبة وتحديد الهدف.

لقد حدّد هؤلاء الأبطال الهدف، وهو الحرية، وعملوا طوال أشهر، في ظروف صعبة للغاية بسبب طبيعة الأرض التي حفروا بها، والرقابة والتفتيش على مدار الساعة. ولكنهم ثابروا وتجاوزوا الصعوبات والمشاكل التي كانت تظهر أمامهم يوميا، بالتفكير السليم والاستفادة من قدراتهم الذهنية وثقافتهم التقنية، إضافة الى تكاتفهم وتوزيع المهام بينهم. فهي "إرادتنا (التي) تغلبت على عنجهيتهم وإيماننا على طغيانهم".

هي الإرادة والايمان بالحق الخالص على أرض فلسطين وبالحرية للشعب الفلسطيني التي تفجرّت مع عملية انتزاع الحرية في 6/9/2021، وتجلّت في أرض جنين بداية، ثم في أنحاء الضفة الغربية وصولا الى القدس وجوارها، خاصة أنه تم تسمية العملية بـ"الطريق الى القدس" كإشارة الى أن مدينة القدس ومقدساتها تبقى البوصلة لكل فعل مقاوم.

بعد إعادة اعتقال الأبطال الستة، شنّ العدو عدوانا همجيا عليهم وعلى من ساعدهم، وعلى الأسرى الذين ينتمون الى تنظيمهم السياسي، حركة الجهاد الإسلامي، بالعزل والتنكيل وفرض قيود مشدّدة عليهم، انتقاما من الذين هدّدوا هيبته، لأن المعركة هي أيضا على الوعي. وهذه المعركة مستمرة الى الآن، حيث يحاول العدو وأنصاره تشويه صورة هذه العملية البطولية، وتشويه صورة أبطالها، أو على الأقل طمس ارتداداتها على الساحات الفلسطينية.

إضافة الى كتابات وتصريحات الأسرى الأبطال التي لم تخرج الى الفضاء الإعلامي العالمي كما يجب، ولم تنل حتى الآن الأهمية اللازمة في المقالات والدراسات والروايات العربية، لقد قدّم مسلسل "إشارة نصر جلبوع" قبل عدة أشهر صورة مشرقة لهذه العملية ولأبطالها، لمواجهة الإعلام المعادي وبث الأمل في نفوس الشعب الفلسطيني. لقد أكّد القائد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، بمناسبة الذكرى الأولى للعملية البطولية على أهمية "فعلكم المعجز" في مسار التحرير لأنه "أيقظنا جميعا من سباتنا"، ورغم عدم اكتمال الرحلة، "اكتملت الفكرة"، التي أشعلت الضفة الغربية. من هنا تأتي أهمية مواصلة بث المفاهيم والمعاني التي انطلق منها هؤلاء الأبطال لكسر عنجهية المحتل الإرهابي، والتي تشكّل تعاليمها مدرسة لكل شعب يسعى للحرية لأنكم "تنزعون الخوف وتزرعون الأمل في قلوب الأجيال الصاعدة".

انشر عبر
المزيد